الحكيم الترمذي
152
غور الأمور
فقدم عمال اللّه غدا على اللّه عاملين له على هذا ، سماعين إليه على هذه الرؤية ، أجابوه إلى ما دعاهم إليه من جواره بالطاعة التي رسم لهم « 1 » ، وقال : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ « 2 » ، وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً « 3 » . فاتقوا عقابه الذي أمرهم بتقواه فقال اتقوا النار ، عملوا الطاعة وشهوة الثواب قائمة بين أيدي قلوبهم عليها ، يعملون ، وإليها يسعون . وانتهوا عن المعصية ، ورهبة القلب منتصبة بين أيدي قلوبهم ، ومن أجلها ينهون ، ومنها يفرون فشغلت قلوبهم نفوسهم بها ، ومصيرهم إلى عقابهم ، فغدوا على ملك غفور كريم ، يغفر الذنوب ، يتجاوز عن التقصير ، ويقبل الحسنات ، ويعفوا عن السيئات ، فإن شقى جد أحد منهم ، وأبسله « 4 »
--> ( 1 ) كلام الشيخ رحمه اللّه يدور حول معنى حديث شريف ، عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال صلى اللّه عليه وسلم : ( حفت النار بالشهوات ، وحفت الجنة بالمكاره ) وبرواية أخرى ( حجبت النار بالشهوات ، وحجبت الجنة بالمكاره ) ومعناه أي جعلت الشهوات التي حظرها الشارع حجابا للنار ، فمن هتك الحجاب ومزق حرمته ارتكاب تلك الموبقات كان ذلك سببا لاصطلائها ، وذوق عذاب الحريق ، ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره ، ولا يوصل إلى النار إلا بارتكاب الشهوات ، وكذلك هما محجوبتان بهما فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب ، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره ، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات . ( 2 ) سورة الأنعام / الآية 153 . ( 3 ) سورة الأنعام / الآية 136 . ( 4 ) أبسله : من بسل : أي حبس ، وقد جاءت هذه اللفظة مرتين في آية كريمة من سورة الأنعام ، ولم ترد في أي القرآن الكريم إلا في هذه الآية الكريمة وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون اللّه ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبلسوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ومعنى تبسل : تحبس في النار ، أو تسلم للهلكة .